تتكرّر في لبنان عبر العهود ظاهرة غريبة عجيبة: قوى سياسية ممثلة في الحكومة، تؤيّد المشاريع التي يقرّرها مجلس الوزراء، ثم تنبري عبر كتلها النيابية إلى معارضتها وانتقادها، وخصوصاً مشاريع قوانين موزانات الدولة عند مناقشتها في مجلس النواب. وهذه الظاهرة تتجلّى اليوم في مناقشة قانون موازنة 2026، حيث تتباين مواقف الكتل من هذا القانون، الذي ما كانت الحكومة أقرّته لولا موافقة وزراء هذه الكتل عليه، وهي الحكومة التي ما كان لها أن تحكُم أصلاً، لو لم تنل ثقة مجلس النواب بغالبية أعضائه من كتلٍ مجتمعة ونوابٍ منفردين.
هذا التناقض لا يمكن تفسيره على أنّه خطأ عابر أو تباين في وجهات النظر. إنّه نمط سلوكي بنيوي، يعكس طبيعة النظام السياسي اللبناني منذ الاستقلال عام 1943 حتى اليوم: نظام يقوم على المحاصصة الطائفية، والتسويات الداخلية، والتوازنات المذهبية، لا على مفهوم الحكومة كسلطة تنفيذية مستقلة تُسمّى مجلس الوزراء، أو مجلس النواب كسلطة رقابية مسؤولة على الحكومة.
في حال لبنان، يقول البعض، إنّ الحكومة غالباً ما تكون تسويات وتفاهمات، وليس برنامجاً أو حكومة الأكثرية بالمعنى النيابي المعتاد، وإنّها هي في غالب الأحيان خليط من أحزاب وتيارات سياسية ومستقلة تتقاسم السلطة وفق أوزان وأحجام طائفية وسياسية. وفي هذه الحكومة، لا تُتخذ القرارات على أساس برنامج واضح أو رؤية وطنية مشتركة، بل على قاعدة تسوية داخلية تحافظ على توازن القوى. وهذا ما يفسّر لماذا يمكن أن تُقرّ موازنة أو قانون في مجلس الوزراء، بينما يجد النواب أنفسهم، في جلسة المناقشة، أمام ورقة يختلفون معها علناً، أو يعلنون رفضهم لها.
والمفارقة الكبرى هنا، هي أنّ الحكومة التي أقرّت مشروع الموازنة نالت ثقة مجلس النواب، أي ثقة الكتل نفسها التي تعارضها الآن. وهذا ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل ثقة المجلس في الحكومة ليست سوى توقيع تسوية لحظية؟ أم أنّها تعبير عن التزام سياسي؟ أم أنّها مجرّد مظهر شكلي لا تترتب عليه أي مسؤولية لاحقة؟
وفي حال لبنان أيضاً، مجلس النواب منبر شعبي أكثر من كونه منبراً رقابياً، فهو مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يتحوّل منصّةً شعبوية أكثر من كونه مؤسسة تشريعية رقابية. فالموازنة، التي من المفترض أن تكون وثيقة مالية - اقتصادية قابلة للمساءلة وربما المحاسبة، تتحوّل مادة خطاب انتخابي. النواب يتحدّثون عن الأسعار والرواتب والفقر، ويهاجمون الحكومة كما لو أنّهم ليسوا جزءاً من منظومة صنع القرار، أو كما لو أنّ الكتل النيابية التي ينتمون إليها ليست جزءاً من التحالفات التي أوصلت الحكومة إلى سدّة الحكم.
في اقتباس عنه، يختصر نائب في إحدى الكتل مشهد مناقشة الموازنة بالقول: «الناس لا تريد سماع حجج أو تبريرات. إنّما تريد رؤية أرقام تُثبت أنّ الحكومة تعمل. نحن هنا لنحاسب، وليس لنشارك في لعبة التوافقات التي لا تحقق أي تغيير على الأرض». هذه العبارة، وإن كانت تُقال بصيغة شخصية، تعكس روحية المداخلات التي تشهدها جلسة أو جلسات مناقشة مشروع الموزانة: اتهامات مباشرة للحكومة، لكن بلا ربط واضح بمسؤولية الكتل نفسها في تشكيل الحكومة أو دعمها.
إنّه انفصام سياسي منذ الاستقلال وحتى اليوم، وإنّ نظرة إلى التاريخ اللبناني منذ العام 1943 إلى اليوم، تُظهر أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة. ففي كل مرحلة، كانت القوى السياسية تتصرّف على قاعدة «حُكم اليوم» و»معارضة الغد»، أو العكس. وخلال فترات الاستقرار النسبي، كانت التسويات تتشكّل على أساس مشاركة واسعة في الحكم، لكن هذه المشاركة لم تكن تعني بالضرورة توافقاً على برنامج عمل. بل كانت تعني تقاسماً للسلطة، وللمنافع والمواقع.
بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ»اتفاق الطائف» عام 1989، تحوّل هذا النمط إلى نظام أكثر رسوخاً، إذ رُسِّخت فكرة أنّ السلطة تُدار عبر توافقات سياسية وطائفية، وأنّ أي حكومة هي مجرّد «سلة تفاهمات» لا أكثر. ومن هنا، أصبح من الطبيعي أن يمنح مجلس النواب الثقة للحكومات المتعاقبة ثم يتنصّل منها في الممارسة، أو يستخدم جلسات المناقشة العامة أو مناقشة الموازنات لتسجيل مواقف انتخابية.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا لمناسبة مناقشة الموازنة هو، هل أنّها ورقة اقتصادية أم ساحة سياسية؟
الواقع أنّ موازنة 2026 ليست استثناءً. ففي جلسات مناقشتها الجارية في مجلس النواب، تبدو مداخلات النواب أقرب إلى خطابات انتخابية من اقتراحات تشريعية. فالتبرير الشائع هو أنّ الحكومة «أخطأت»، «الرقابة غير موجودة»، أو أنّ «الفساد متفشٍّ»، في حين أنّ هذه الانتقادات لا تُترجم عادة إلى قرارات فعلية، تواكب الموازنة أو تُغيّر من مسارها.
وفي اقتباس عن خبير اقتصادي يقول: «الخطاب النيابي يتناول الموازنة كأنّها عراضة سياسية. لكنّ الموازنة ليست مشروعاً انتخابياً، بل وثيقة تخصّ الاقتصاد الوطني. وإذا لم تُناقش بموضوعية، فستبقى الحكومة تتعامل معها كخطة شكلية، ومجلس النواب كمنبر شعبي، من دون أي أثر حقيقي على الواقع».
وفي اقتباس آخر عن الخبير الدستوري الدكتور بول مرقص (وزير الإعلام في الحكومة الحالية)، يقول: «الخلل ليس في التناقض الظاهري، بل في عدم وجود ثقافة سياسية تؤمِن بالمسؤولية المشتركة. عندما يُصوّت النواب لمنح الثقة، عليهم أن يدركوا أنّهم يمنحون الحكومة صلاحية تنفيذ برنامج. ثم لا يحق لهم أن يتنصّلوا من هذا البرنامج بمجرّد وصولهم إلى المجلس».
هذا الإنفصام هو مشكلة سياسية وأخلاقية أكثر من كونها قانونية. فالنواب يملكون صلاحية انتقاد الحكومة، حتى لو كانوا من حاضنتها. لكن ما يثير الاستغراب، هو أنّ هذه الانتقادات تُقدَّم في سياق انتخابي، لا في سياق مسؤولية وطنية. والنواب الذين منحوا الحكومة الثقة وساندوا سياساتها ضمن التحالفات السياسية، يتحوّلون فجأة خصوماً لها عند كل استحقاق.
وهنا تكمن المشكلة: في غياب مفهوم المسؤولية الجماعية، يصبح كل شيء قابلاً للتغيير وفق المصالح. والنتيجة، أنّ الحكومة تحكم بلا حساب أو محاسبة، ومجلس النواب ينتقد بلا مساءلة أو محاسبة.
ويتبيّن من خلال هذا الواقع، أنّ لبنان لا يملك حكومة ولا معارضة... بل تسويات متحرّكة. وفي لبنان، تتحوّل السلطة لعبة توافقات متغيّرة. الحكومة ليست فريقاً وزارياً موحّداً، ومجلس النواب ليس هيئة رقابية مستقلة، بل كلاهما أدوات لتوازنات سياسية موقتة. وعندما يُقارب مشروع قانون موازنة الدولة بهذه العقلية، لا يمكن للبنانيِّين أن يتوقعوا مشهداً غير هذا: حكومة تقرّها، ومجلس نواب يعارضها، وكتلٌ نيابية تتلوّن بحسب المرحلة، ومواطنون ينتظرون حلولاً لا تُنتَج إلّا في الانتخابات. وحتى يتحوّل لبنان دولة فعلية، لا بُدّ من إعادة تعريف معنى الحكم والمعارضة، وإعادة بناء ثقافة سياسية تُؤمن بأنّ المسؤولية ليست شعاراً انتخابياً، بل التزامٌ دائم. وإلّا، ستبقى الموازنة مجرّد ورقة تُقرّ وتُعارَض، فيما تزداد الأزمة الاقتصادية والسياسية عمقاً وتعقيداً، من دون أن يجرؤ أحد على الاعتراف بأنّ الانفصام ليس عيباً في النصوص، بل في النظام نفسه، وأنّ الشفاء منه يكون بإقامة دولة المؤسسات التي تحكمها المؤسسات نفسها، وهي الدولة التي يقضي «اتفاق الطائف» بإقامتها ولا يحكمها الأشخاص أو التوزانات السياسية والطائفية والمحاصصات والتسويات.